من هو المثقف؟

كتبها مثقف عربي ، في 17 أبريل 2008 الساعة: 14:42 م

 

بقلم  د. حليم بركات

إلى إدوارد سعيد وهشام شرابي اللذين شاطرتهما معاناة الغربة، ولاهتمامها العميق بالثقافة

 حليم بركات 

في البدء أقول إنّني اخترت التحدّث إليكم حول دور المثقفين ودورهم في عملية التغيير، بعد أن ورد سابقاً في نشاطات "مركز الحوار" أنّ المثقفين هم المعنيّون بهذا التحدّي بالذات قبل غيرهم.

يُعرّف المثقفون عادةّ بأنّهم شريحة تستمدّ مكانتها من قوة الأفكار، ولكن هذا لا يعني أنّهم شريحة واحدة، فهم في الواقع ذوو خلفيات وانتماءات وتوجّهات متناقضة، وخاصّة في هذا الزمن المعقّد المتداخل. في مراجعة لكتابي حرب الخليج: خطوط في الرمل والزمن، يقول الناقد الأدبي فيصل دراج أنني أنتمي إلى ذلك المثقف الحديث على عكس مثقف الاختصاص الذي يقيم فصلاً زائفاً بين العلم ومسائل الحياة والمجتمع.

أقول إذن بتنوّع المثقفين حتى التناقض. في مقالة سابقة لي حول الكاتب العربي والسلطة، ميّزت بين أربعة أنواع من العلاقات بين الكتاب والسلطة واشرت الى اسماء الادباء الذين يمثلون هذه الاتجاهات:

1- علاقة اللامبالاة: مخائيل نعيمة، ورئيف خوري.

2- علاقة الاضطهاد: هذا شأن معظم الدول العربية

3- علاقة الوصاية: أيضاً معظم الدول العربية.

4- علاقة المشاركة: غير متوفّرة في أي بلد عربي، بما فيه لبنان.

وفي مقالة أخرى صنّفت الروايات العربية إلى خمسة اتجاهات:

1- الرواية التوفيقية كما في روايات توفيق الحكيم: "عودة الروح"، و"يوميات نائب في الأرياف" و"عصفور من الشرق".

2- روايات الخضوع: نجيب محفوظ الذي يصوّر الإنسان المصري كائناً عاجزاً أمام طغيان السلطة، وخاصّة في "زقاق المدق"، و"بين القصرين".

3- رواية اللامواجهة: "ثرثرة فوق النيل"، حيث تلجأ شخصياتها هرباً إلى عوامة فوق النيل وتمارس الإدمان، وكذلك رواية جبرا "السفينة".

4- رواية التمرّد الفردي: رواية "أنا أحيا" لليلى بعلبكي.

5- رواية التغيير الثوري: كما هي عند غسان كنفاني وعند عبد الرحمن منيف.

ربّما نتمكّن بفعل تواجدنا كمثقفين عرب في الغرب أن نرى الأمور من زاوية خاصّة. وستكتسب رؤيتنا أهمية بالغة إذا ما تكلمنا من موقع الصراع الثقافي داخل الثقافة العربية وضدّ الثقافة الغربية المهيمنة.

واضح أنّنا منفيّون أو كثيراً ما يكون نفينا نتيجة لالتزامنا بالقضايا العربية وارتباطنا بالمصير العربي ارتباطاً عضوياً لذا لا نتكلم من موقع حيادي، ولا يمكن أن نكون كذلك طالما نملك رؤية ونصارع صراعاً مزدوجاً ضدّ الثقافة العربية السائدة، وهي ثقافة قمعية، وضد الثقافة الغربية المهيمنة، وهي ثقافة مرتبطة بنظام رأسمالي عالمي يشوّه المستغل والمستغَل معاً. 

من موقع عربي ثوري تقدمي، نجد أنفسنا في حالة صراع وتنافس مع الثقافة العربية السائدة ومع قوى السلفية والليبرالية داخل المجتمع العربي. إذن، كم يكون الأحرى بنا أن نواجه الثقافة العربية السائدة وندخل في صراع محتدم معها. وكي نتمكّن من ذلك لا بدّ أن نرسّخ علاقتنا بثقافتنا العربية المضادّة الثورية عبر تاريخها الطويل (وهذه هي تراثنا وجذورنا)، وأن ندخل في حوار مع الثقافة الغربية الثورية المناهضة للثقافة للرأسمالية الاستهلاكية المهيمنة. بذلك نتحوّل من خلال تحوّل الحاضر والماضي بل نتحوّل من خلال المواجهة الداخلية والخارجية انطلاقاً من التراث العربي وغير العربي.

قد يقال نحن هامشيون في كلٍّ من الثقافة العربية والثقافة الغربية. هذا صحيح، ولكن هل الاعتراف بهذه الحقيقة يقود إلى تأجيل المواجهة والانسحاب من الصراع. طبعاً، لا، إنّ النمو يحصل دائماً داخل المواجهة وليس خارجها، فلا تؤجّل المواجهة حتى نتغلّب على هامشيتها بل نتغلّب على الهامشية في المواجهة ومن خلالها.

هذه هي الأطروحة التي أقدّمها للتداول حولها في هذا اللقاء، أقدّمها من موقع الجدّية والمسؤولية والثقة بمستقبل عربي أفضل رغم معرفتي وإحساسي العميق بهامشية القوى الثورية في الوقت الحاضر في المجتمع العربي والمجتمعات الغربية.

إنّها الوجّه الأنجح للخروج من دائرة علاقات التبعية والهيمنة، وهي علاقات فرضية تغريبية، وللدخول في علاقات تقوم على المساواة والاحترام المتبادل والأخذ والعطاء.

مثل هذه العلاقات الأخيرة لا يمكن أن تقوم مع الثقافة الغربية المهيمنة، ولكنّها يمكن ويجب أن تقوم مع القوى الثورية التقدمية في الغرب. من هنا دعوتي لعلاقات المواجهة، لا علاقات التعاون.

حين يصمّم الباحث على دراسة العلاقة بين موقع المثقفين العرب في البنية الطبقية ونتاجهم الثقافي، سيجد نفسه مضطرّاً أن يبدأ من الصفر تقريباً. سيواجه هذه الإشكالية لسبب بسيط هو غياب التنظير والبحث الميداني حول هذه المسألة المعقّدة.

خَلَت الأعمال الجادّة من أي اهتمام بهذه العلاقة، واكتفت أحياناً، وعلى نحو عابر، بالإشارة إلى بعض التحوّلات الطبقية في المجتمع العربي المعاصر. هذا ما نكتشفه إذا تفحّصنا كتاب ألبرت حوراني الشديد الانتشار حول "الفكر العربي في عصر الن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb